وهم الاستغناء عن الرجال
في الآونة الأخيرة رأيت — وللأسف — أنه أصواتًا كثيرة بدأت تعلو في الفضاء الإلكتروني، أصوات تدّعي أنه الرجل لم يعد ضرورة في الحياة، وأنه المرأة قادرة على الاستغناء عنه تمامًا وكأنه الرجل أصبح كائنًا فائضًا عن الحاجة. وقد تأثّر بهذا الفكر المسموم بعض الفتيات، حتى صرن يرددن هذه العبارات وكأنها مسلّمات لا تقبل النقاش، دون وعي بخطورتها ولا إدراك لما تحمله من تناقضات وضلالات.
قبل أن نخوض في الرد لنتأمل أولًا: من أين جاءت هذه الفكرة أصلًا؟ هذه النزعة ليست إلا استيرادًا لفلسفات غربية مريضة نشأت في بيئات تعاني انهيارًا أسريًا وتفككًا اجتماعيًا حيث فقد الرجل قيمته فعلًا هناك بسبب انحراف الأدوار الطبيعية وثم جاءت نسخ مشوهة من هذه الأفكار لتزرع في مجتمعاتنا المسلمة محاولةً نسخ تلك المأساة.
أول م يكشف سقوط هذه النظرية هو أنها تتجاهل أبسط حقائق الحياة: الرجل والمرأة مكمّلان لبعضهما. حتى على المستوى البيولوجي والفطري كل منهما يملك ما ينقص الآخر. ليس الموضوع قدرة على العمل أو الإنتاج، بل هو "سُنّة كونية" أن الجنسين وُجِدا ليكمّل أحدهما الآخر.
المجتمع الذي يحاول إلغاء دور نصفه الآخر هو كمَن يقرر السير على قدم واحدة بينما الأخرى سليمة
أما من الناحية الشرعية فإن القول بأنه الرجال لا حاجة لهم هو اعتراض على حكمة الله سبحانه في خلقه وتوزيعه للأدوار. قال الله تعالى:
"وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى" [آل عمران: 36]
هذه ليست مقارنة تفاضل مطلقة بل بيان لاختلاف الخِلقة والوظيفة. وجعل الله القِوامة في الأسرة للرجل بقوله:
"الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ" [النساء: 34]
والقِوامة ليست استعبادًا بل تكليف ومسؤولية وإنفاق وحماية. بل حتى أعظم النساء مريم عليها السلام وُجِدت في بيئة رجال يحوطونها، وزوّج الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، سيد الخلق، بامرأة ليكون مثالًا على التكامل لا الصراع.
ثم تعالي نرى الواقع: من الذي يحمي الثغور ويصد العدوان؟ من الذي يقف في ميادين الحروب؟ من الذي يعمل في الأعمال الشاقة التي لا تحتملها البنية الجسدية للمرأة؟ نعم المرأة قوية في مجالات كثيرة لكن نكران فضل الرجل ودوره هو قمة الجحود. وحتى من الناحية العاطفية والاجتماعية، المرأة — بفطرتها — تحتاج من يسندها ويكون لها ظهرًا كما يحتاج الرجل من يحنو عليه ويشاركه حياته.
الترويج لفكرة "عدم الحاجة إلى الرجال" ليس مجرد كلام عابر هو خطوة أولى نحو هدم الأسرة وتفكيك المجتمع وإشاعة العداوة بين الجنسين. والنتيجة؟ عزلة، كآبة وانهيار في الروابط الإنسانية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر" — أي لا يبغضها بغضًا مطلقًا. الإسلام علّمنا التوازن والتكامل، لا الكراهية والتهميش.
من تظن أن الاستغناء عن الرجل قوة فهي في الحقيقة تقع في فخ الضعف لأنها تعيش على رد فعل لمظالم فردية أو صور مشوهة، فتعممها على كل الرجال. نحن لا نقول إن الرجال معصومون من الخطأ، لكننا نقول إنهم نصف المجتمع ونفي دورهم نفي لنصف حياتك أنتِ.


مقال رائع جدا، وحبيت اضيف ان فكرة الاستغناء عن الجنس الاخر غبية بشكل لا يوصف ودايما يوم اناقش شخص مايبي امرأة بحياته او يشوف مالهم فايدة اكتشف ان حياته سيئة وفاشل بتدبير ابسط الامور وان فكرة مابي شخص من الجنس الاخر بحياتي ترجع لمشكلة نفسية بنفس الشخص او كره غير مبرر بسبب موقف او الخ